عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

101

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الأرض خليفة يتجلى نور جماله لمصباح السر الإنساني ، فيهدى اللّه لنوره فتيله الخفي من يشاء فيستنير مصباحه بنار نور اللّه ، فهو على نور من ربه فيكون خليفة اللّه في أرضه فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم . بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى في حق النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوانات ولا على الملك ناهيك عن حالة هاروت وماروت ، لما أنكرا على ذرية آدم اتباع الهوى والظلم والقتل والفساد وقالا لو كنا بدلا عنهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون ، فاللّه تعالى أنزلهما إلى الأرض وليس عليهما لباس البشرية وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ، ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق ، والزنا وشرب الخمر . قال قتادة : فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم . فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول نور اللّه تعالى . فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم يفتتنا بهذه الأوصاف الذميمة الحيوانية والسبعية ، كما كان الأنبياء - عليهم السلام - معصومين عن مثل هذه الآفات والأخلاق ، وإن كانت البشرية لازمة لهم ولكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم ، واستنار بنور قلوبهم جميع مشكاة أجسادهم ظاهرا وباطنا ، وأشرقت أرض البشرية بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور ، فلما أفنى نور هوية الحق تعالى ظلمة أنانية وجودهم المجازي وأبقاهم ببقائه ، تحقق لهم أنهم خلفاء اللّه في الأرض وما لهم وجود حقيقي ولا لغيرهم ، بل وجودهم وجود كل شيء قائم بخلافة وجود الحق ، وما يصدر منهم من الأعمال والأقوال صادر بخلافة الحق تعالى بمشيئته وإرادته وتقديره ، وما لهم بالأصالة وجود ولا فعل ، وأنهم مختصون بهذه الخلافة وليس للملائكة استحقاق هذه الخلافة ؛ لأنهم محجوبون عن رؤية الحق بهذا النظر بحجاب رؤية وجود الأغيار وأفعالهم أصالة لا خلافة ، وذلك لأن اللّه تعالى لما امتحنهم بقوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] فلو لم يكونوا محجوبين لما اعترضوا على اللّه ، ولما أسندوا الأفعال إلى آدم وإلى أنفسهم أصالة واستبدادا ، بل أسندوها إلى اللّه تعالى كما قال موسى - عليه السلام - : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [ الأعراف : 155 ] أسند فعل الأغيار إلى اللّه تعالى ؛ لأنه رأى الأغيار بنظر الخلافة واللّه أعلم .